السيد الطباطبائي

368

تفسير الميزان

حسب ما يطبقه كل فهم على ما يستطيعه صاحبه ثم يكون ذلك وسيلة ليفهم من هذه الآية أعني قوله اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون أن المراد أن يقعوا في صراط حق التقوى ويقصدوا نيل هذا المقام والشخوص والمثول فيه وذلك نظير الاهتداء إلى الصراط المستقيم الذي لا يتمكن منه إلا الأوحديون ومع ذلك يدعى إليه جميع الناس فيكون محصل الآيتين اتقوا الله حق تقاته فاتقوا الله ما استطعتم أن يندب جميع الناس ويدعوا إلى حق التقوى ثم يؤمروا بالسير إلى هذا المقصد ما قدروا واستطاعوا وينتج ذلك أن يقع الجميع في صراط التقوى إلا أنهم في مراحل مختلفة وعلى درجات مختلفة على طبق ما عندهم من الافهام والهمم وعلى ما يفاض عليهم من توفيق الله وتأييده وتسديده فهذا ما يعطيه التدبر في معنى الآيتين . ومنه يظهر أن الآيتين غير مختلفتين بحسب المضمون ولا أن الآية الأولى أعني قوله اتقوا الله حق تقاته الآية أريد بها عين ما أريد من قوله فاتقوا الله ما استطعتم الآية بل الآية الأولى تدعو إلى المقصد والثانية تبين كيفية السلوك . قوله تعالى ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون الموت من الأمور التكوينية التي هي خارجة عن حومة اختيارنا ولذلك يكون الأمر والنهي المتعلقان به وبأمثاله أمرا ونهيا تكوينيين كقوله فقال لهم الله موتوا : البقرة - 243 وقوله أن يقول له كن فيكون : يس - 82 إلا أنه ربما يجعل الامر غير الاختياري مضافا إلى أمر اختياري فيتركبان بنحو وينسب المركب إلى الاختيار فيتأتى الأمر والنهي الاعتباري حينئذ كقوله تعالى فلا تكونن من الممترين : البقرة - 147 وقوله ولا تكن مع الكافرين : هود - 42 وقوله وكونوا مع الصادقين : التوبة - 119 وغير ذلك فإن أصل الكون لازم تكويني للانسان لا أثر لاختياره فيه لكنه بارتباطه بأمر اختياري كالامتراء والكفر والتزام الصدق مثلا يعد أمرا اختياريا فيؤمر به وينهى عنه أمرا ونهيا مولويين . وبالجملة النهى عن الموت إلا مع الاسلام إنما هو لمكان عده اختياريا ويرجع بالآخرة إلى الكناية عن لزوم التزام الاسلام في جميع الحالات حتى يقع الموت في واحدة من هذه الحالات فيكون الميت مات في حال الاسلام . قوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ذكر سبحانه فيما مر